الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
18
نفحات القرآن
وفي هذا إشارة إلى أنّ الإنسان حين يطلع على وجود الاختلاف سوف يرغمه عقله على التحقيق والمطالعة ( النظر ) ، وعندها لا يُعتبر مستضعفاً . وبالطبع فالقصد من « المستضعف » هنا هو « المستضعف فكرياً » الذي نسميه أحياناً ب « الجاهل القاصر » . 3 - جاء في حديث آخر عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله : « أربعة تلزم كل ذي حجى وعقل من أمتي ، قيل : يا رسول اللَّه ما هنَّ ؟ قال : استماع العلم وحفظه ونشره والعمل به » « 1 » . وبهذا يعتبر النبي صلى الله عليه وآله الاستماعَ والتحقيقَ من آثار وعلامات العقل والدراية . 2 - المعاندون الملحّون كان دائماً في مقابل الأحرار الذين يرون التحقيق في الحق واجبهم العقلي ، هناك جماعة يخشون رؤية الحق كالخفافيش ، وحتى لو ارتفع صوت منادي الحق وَدَوّى في آذانهم سدوا آذانهم لكيلا يسمعوا صوته . ينقل القرآن عن جماعة من قوم نوح عليه السلام على لسان هذا النبي العظيم عندما اشتكاهم إلى اللَّه : « وإنِّى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِى ءَاذَانِهِمْ واسْتَغْشَوا ثِيَابَهُمْ وأَصَرُّوا واسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا » . ( نوح / 7 ) ولم يكن حال المشركين بأقل من هؤلاء ، بل كأنّهم ورثوا قوم نوح المعاندين الذين تحدث عنهم القرآن : « وَقَالَ الَّذِيْنَ كَفَرُوا لَاتَسْمَعُوا لِهَذا الْقُرآنِ وَالْغَوا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ » . ( فصلت / 26 ) إنّ هذه الجماعة التي لها أتباع ومقلدون في كل عصر وزمان لا يسمحون لأنفسهم بالتحقيق في ما يجري أبداً ، إنّهم جهلة حمقى يخشون نور الشمس كأنّهم الخفافيش ، يلجأون إلى الظلمة دائماً ، ويفتخرون بالجهل ، إنّهم أكثر حرماناً من الجميع لأنّهم أعداء تفضحهم الشمس .
--> ( 1 ) تحف العقول ، مواعظ النبي ، ص 40 .